Friday, June 21, 2013

روائي إريتري يصدر روايته الثانية بالعربية

روائي إريتري يصدر روايته الثانية بالعربية


عن المركز الثقافي العربي صدرت مؤخرا رواية “مرسى فاطمة” للروائي الإرتري حجي جابر.
هذا العمل هو الثاني له بعد روايته الأولى ” سمراويت ” الصادرة أيضا عن المركز الثقافي العربي والحاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي عن العام 2012.
في حديث عن هذا الإصدار خصّ به الشرق يقول حجي عن مرسى فاطمة: “سعيت أن يكون هذا العمل مغايراً عن تجربتي الأولى. ثمة تحدٍ في أن تكون مختلفاً، خاصة بعد أن لاقت سمراويت بعض القبول. لا أعرف على وجه الدقة ما إذا كنت قد نجحت في ذلك، لكني بذلت جهدي لتحقيقه، دون أن أتخلص من الرهبة التي تلازم العمل الثاني عادة”.
وعن أجواء مرسى فاطمة قال حجي: ” النص يرتكز على المحلية، بدءا من اسم الرواية الذي يشير إلى شارع في العاصمة الإرترية أسمرا، تيمنا بجزيرة في البحر الأحمر سكنها صالحون من نسل الصحابة، مرورا بالقضايا التي يناقشها، وليس انتهاء بالأجواء العامة والفنون”.
وحول الفكرة الرئيسة للعمل الجديد يقول حجي ” ثمة أفكار رئيسية أردت إيصالها عبر مرسى فاطمة فإلى جوار القصة المحورية بين البطل وسلمى، ثمة قصص موازية لا تقل أهمية ، وإن كان حضورها كظلال للقصة الأولى، من ذلك مثلا الفظاعات التي ترتكبها عصابات الإتجار بالبشر، وحجم التشويه الذي يطال الإنسان حين تُسلب حريته أو يتخلى عنها طواعية، وتبادل الأدوار بين الضحية والجلاد التي تحفل بها لعبة الحياة
http://www.alsharq.net.sa/2013/06/18/871119”.

Monday, April 1, 2013

سمراويت..حكاية وطن



"سمراويت": حكاية وطن
محمد ولد محمد سالم
من الأسطر الأولى لرواية “سمراويت” للكاتب الأريتري حجي جابر، سيجد القارئ نفسه مندفعاً في القراءة، وكأنه يواصل متابعة حكاية قد عاش بداياتها من قبل وألف شخصياتها، فالسرد يندفع بسلاسة وبساطة مدهشة: “ما إن لمحتني سلام أقترب من شارع مودرنا حتى سارعت إلى تنظيف الطاولة التي اعتدتها، لم تستغرق وقتا في استحضار ملامحي، ولم يفاجئني ذلك، فالصيف الفائت جعلني مألوفا بما يكفي هنا” .

سمراويت هي الرواية الفائزة بالمركز الأول في الدورة الخامسة عشرة من جائزة الشارقة للإبداع، الإصدار الأول ،2012 في حقل الرواية، وهي حكاية استكشاف الوطن وتفتق ملامحه في مخيلة المهاجر الذي لم يره، وأمام عينيه حين يعود إليه فيشاهده رؤية العين .

تحكي سمراويت قصة شاب أريتري عاش طفولته في جدة في السعودية، وألف أحياءها، ولم يعرف شيئاً عن وطنه، وحين يشب ويدخل بيئة العمل صحافياً في جريدة سعودية، يتعرف إلى الجالية الأريترية، ومن خلالها يبدأ في التعرف إلى ملامح الوطن، لكن الصورة في الغالب تأتيه متناقضة لأنها تأتي من خلال ممثلي مختلف التيارات السياسية المتصارعة في وطنه، خاصة الحكومة والمعارضة، ومع ذلك فإن غبش الصورة لا يمنعه من تكوين صورة بهية عن وطنه، فيقرر السفر .

التقنية السردية في الرواية تقوم على المراوحة بين زمنين، زمن استكشاف الوطن وتخيله ذهنياً، والبطل لا يزال في جدة، وزمن الالتقاء بهذا الوطن واكتشافه عيانا، ويتقدم المساران متوازيين في لعبة سردية مشوّقة، تشكل علاقة الحب الذي تفجر فجأة على أرض الوطن بين “خالد” بطل الرواية و”سمراويت” الفتاة الأريترية القادمة من باريس محفزا مهما من محفزاتها، حيث تأخذ سمراويت في عيني خالد ملامح الوطن، وتتحول إلى رمز له يكبر باستمرار كلما أخذتهما جولاتهما اليومية إلى معلم من معالم العاصمة الأريترية “أسمرا”، حيث آثار العمارة البديعة التي تركها العثمانيون والإيطاليون، وحيث البسطاء المشبعون بجماليات الروح، وصدق القيم، وكأنهم خزنوا قيم الدين الأولى التي بثها الصحابة يوم أن وطئت أقدامهم تلك الأرض، بعيداً عن كل تعصب أو انحياز طائفي .

لكن تلك الصورة الجميلة التي يستشكفها خالد صحبة سمراويت، تبدو محاصرة بصورة فوقية أكبر هي صورة الخلافات السياسية، وانعدام وضوح الرؤية للدولة الناشئة، مما كبل الواقع بصراع لم يستطع أطرافه أن يحسموه لمصلحة الوطن، وهو ما يؤول رمزياً إلى استحالة الزواج بين البطل وسمراويت التي تمثل الوطن، فلا يجد من خيار سوى العودة إلى جدة .

سمراويت هي سيرة وطن بتاريخه وأبطاله وناسه وجمالياته وتناقضاته، ولو أن الكاتب حافظ على حرارة السرد التي بدأ بها الأجزاء الأولى من روايته، لكان كتب رواية غاية في الجمال، لكنه وقع في فخ الاستطراد بتتبعه تاريخ الثورة وملامح البيئة الجغرافية والعمرانية لأريتريا، مما أخرجه من سياق الحدث الروائي المشحون بالحركية، ومع ذلك فالرواية جميلة، فيها حرارة المعاناة والاستكشاف، وتتمتع بأسلوب سهل سلس .



سمراويت' للكاتب الإرتري حجي جابر: البحث عن الذات والوطن




سمراويت' للكاتب الإرتري حجي جابر: البحث عن الذات والوطن
د. عائشة البصري

'سمراويت'، رواية للكاتب والصحفي الإرتري حجي جابر، صدرت منذ بضعة أشهرعن المركز الثقافي العربي و نالت جائزة الشارقة للإبداع العربي للسنة الماضية. الرواية فيض من الذكريات يغيب عنها التدرج الزمني المنطقي للأحداث فتلتقي النهاية بالبداية وتبدأ القصة من الوسط، أي من قلب أسمرا النابض التي سينطلق منها بطل القصة، عمر، بحثا عن الذات والوطن. بأسلوب بسيط وعميق في ان واحد تتناول 'سمراويت' في ثنايا سردها مأساة شتات الذات المغتربة، وجدلية الإنتماء للوطن المضيف الطارد والوطن الأم الغائب.
لكن ما يميز الرواية قبل كل شيء هوحبكتها التي تتناوب فيها ذاكرتي السعودية وإرتريا على نحو يعكس ثنائية الزمان والمكان، مما يجعل القاريء يتنقل بإستمراربين ضفتي البحر الأحمروهو مشتاق لمعرفة كل تفاصيل الحكاية والنهاية. فيصبح زمن القراءة جزءً من تجربة الإزدواجية حتى الإنشطار ويعيش القارئ والراوي معاً أفراح وأقراح الوطنين المستعصيين وهما يتنقلان بين عالمين يتشابهان في قدمهما وصعوبة الوصول إليهما وإستعصاء الانتماء إليهما.
رحلة البحث عن الإكتمال

'في السعودية لم أعش سعوديا خالصا، ولا إرتريا خالصا. كنت شيئا بينهما'. شيئا يملك نصف انتماء، ونصف حنين، ونصف وطنية .. ونصف انتباه (...) أنصاف لم يكن بمقدورها أن تنمو لتكتمل، ولم يتح لها أن تجد ما يماثلها انتماء و حنينا ووطنية وانتباها'.
بعد ثلاثين عاماً يدرك عمرأنه 'يعيش بنصف قلب ونصف رئـة ونصف عقل'. إنها الذات الضائعة التي يعرفها كل من حُكم عليه أن يولد غريبا في وطن ما ويعيش غريبا عن وطن مكتوب على جبينه و على جواز سفره. هذه هي مأساة عمر، ذلك الشاب الذي وُلد وعاش في جدة، فتنفس هواءها، وتشبع بلهجتها، وشجع نواديها ليصطدم بأجنبيته فيها وهو لم يتجاوز السن السابعة حين أرهقه البحث دون جدوى عن مدرسة تحتضنه
.
يفشل الصبي في التمدرس لأنه 'أجنبي' ولأن النسبة المخصصة للأجانب محدودة فيضطر للإلتحاق بمدرسة ليلية لمحو الأمية. لكن الطفل لايستوعب أجنبيته، أو بالأحرى تجنِيبه، ويمضي مصّرا على أن يشبه رفاقه ولو إضطره الأمر الى الكذب كل يوم عند الظهيرة حين يلعب دور التلميذ العائد من المدرسة فيلقي بحقيبته الفارغة ويخرج للعب في الحي مثل أقرانه. ثم يذهب كل مساء متسللا إلى دروس محو الأمية، محملا بحقيبته الثقيلة، ومثقلا بأكاذيب ستستمر لسنتين قبل أن يتسنى له الإلتحاق بالمدرسة.
يكبر عمر و يكبر معه وعيه بأجنبيته حين يتعذر عليه الحصول على منحة لولوج الجامعة وحين يمارس مهنة الصحافة ويطّلع على اراء سعوديين يصبّون نقمتهم على الأجنبي 'الجربوع' المتهم بكل أفات المجتمع من البطالة الى التلوث. عمر يحمِل مأساة جيل عاش في مملكةٍ لا يملك فيها شبرا، وطنٍ مضيف وطارد يُبقي أبناءه في خانة الأجانب.
الوطن الذي لم تكتمل ملامحه بعد

يمر الزمان ويتمادى وطن الولادة في طرد عمر وتتحول إرتريا الى وطن حلم إلى أن يقررالشاب أن يحمل نصفيه، وضياعه، ووجهه المشبع بملامح الغربة إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر حيث الوطن الأم في إنتظاره وأشياء أخرى:
'كثيرة هي الأشياء التي ينبغي البحث عنها في إرتريا، أولها البحث عني، فبمجرد أن يتوقف الشتات، ستبدأ ملامحي في التشكل والاكتمال. سأبدأ في التعرف إليّ، سأتلمس وجهي، أختبر صوتي للمرة الأولى، أصرخ حتى أصاب بالصمم، وحده هذا الفعل، سيزيل أعواما من الغربة بيني وبين صوتي، سيهدم جدران الهمس قائمة
.'
مع وصول عمر إلى العاصمة أسمرا تبدأ رحلة البحث عن الإكتمال لتتزامن مع قصة حب تنشأ من أول لقاء له مع سمراويت، فتاة مسيحية مقيمة في باريس من أب إرتري وأم لبنانية. لقاء شابين إرتريين تفرقهما دياناتهما ومحيطهما الإجتماعي و تجمعهما عروبتهما وحبهما لكل شبر من وطن عاشا بعيدان عنه ويرغبان في إكتشاف معالمه. ينمو حبهما بسرعة شديدة رغم حرية مقيدة بتصاريح الدخول و صعوبة التجول في بلد حبيس الماضي تبلغ فيه العزلة قمّتها حين يكتشف عمر أنه لا يستطيع الحصول على شريحة هاتف لأنه مجرد زائر وأنه لايُسمح للمقيمين أن يملكوا أكثر من شريحة واحدة .
يصطحب عمر وسمراويت في رحلة الصيف والوطن 'سعيد' ابن الجارة في جدة الذي رفض الهروب مع أهله الى السودان مفضلا المكوث والقتال من أجل الثورة التي أفقدته ذراعه اليمنى دون أن تفقده إيمانه بالوطن. ينطلق الثلاثة نحو مدينة مصوع التي ينحدر منها أهل عمر الذي يبحث بشغف عن بيتهم في حي ختمية:
'بلغنا ختمية. كان حيّا منهكا، بدت بيوته وقد أعياها الزمن وغياب أصحابها، تداعى معظم البناء وحلّت محله صفائح معدنية صدئة غمرتها الثقوب، تستر جوانب وتعجز عن ستر أخرى
'.
إختلاط الفرح والحزن في وجدان عمر وهو يقترب من ذاته بوقوفه على أطلال مسقط رأس والديه ُيفقده توازنه ويدخله في حالة نصف إنتباه تحرك فيه إحساسا قويا بالشجن. إحساس مربك لن يفارقه في رحلته إلى رأس مدر وقرقسم ودهلك قبل أن يعود إلى أسمرا ويستيقظ على خيبة إرتمائه في أحضان الوطن. يجلس عمركالمعتاد في مقهى 'مودرنا' ينتظرعودة سمراويت لتخبره عن قرار أهلها بشأن رغبته في الزواج منها والإكتمال فيها وبها. فتشاء النهاية أن يرفض والدي سمراويت هذا الإرتباط وتنهار أحلام عمر.
هكذا تنتهي رحلة إكتمال الأنصاف ولا يبقى إلاّ عمرالمسلم، الخجول، المحافظ،، الحالم، يُعزّي نفسه المتشظية وقد فشلت في محاولة الإلتحام بذلك النصف العربي، المسيحي، المتحرر، الصاخب، الجريء، المُترف، وصاحب القرار. لكن ما يجعل بُعد هذه الرواية أكثر عمقا من قصة حب يائسة هو كون سمراويت أكثر من إمرأة. إنها الوطن الأم الذي يقول فيه الراوي: 'إرتريا التي قاتلنا من أجلها لم تكتمل ملامحها'. سمراويت، العروس المستحيل، تجسد ذلك الوطن الذي لم تكتمل ملامح وجهه بعد. فلن يعرف القاريء شيئا عن وجه سمراويت الجميلة التي 'ضاعت بعض ملامحها خلف خصلات شعرها المنسدلة'، إذ يكتفي الراوي بالحديث عن سمرتها وابتسامتها ويتجنب الخوض في تفاصيل وجهها.
عروبة إرتريا: وطن فوق الأوطان

ليست سمراويت وحدها من تُحجَب ملامحها عن القاريء بل إن وجوه كل من أحمد ومحمود وسعيد والأم والجدة و النادلة وغيرها من شخصيات هذه الرواية تظل مغيًّبة أيضا رغم كونها تنبض بالحياة. هكذا يكون قلم حجي جابر قد نحا منحى ريشة الإنطباعيين السريعة التي بالكاد توضح ما ترسم فيبدو الإطارالعام واضحاً وتضيع التفاصيل كما تضيع ملامح إرتريا إلا عروبة هذا البلد.
في هذه الرواية التي تستحيل فيها الأوطان وتتلاشى فيها ملامح الأشياء وتحتدم فيها الصراعات الداخلية تبقى الهوية العربية جوهرا ثابتا وسط كل المتغيرات ووطنا فوق كل الأوطان. عروبة الرواية محورية وتفرض نفسها على كل المستويات بدءً بلغتها البليغة التي تنهل من الشعر والنثر والصحافة دون أن تغلّب جنسا على الآخر أو أن تبتعد عن التراث المجازي العربي المعروف بكثافته وخياله ووجدانه
.
يٌدخل حجي جابر القارىء في عروبة إرتريا مثلما يقود بطليه عمر وسمراويت إلى قصة حب عبر إعجابهما المتبادل برواية محمّد ناود 'رحلة الشتاء'، أول رواية إرترية مكتوبة باللغة العربية.
'عروبتنا في إرتريا هي مصيبتنا، ولكننا قابلون بها ولا نرضى عنها بديلا. نعتقد أن مسألة العروبة في إرتريا هي الأساس لأنه لولاها لما كانت حاجة للثورة أصلا'، يقول أحد شخصيات هذه الرواية وهو يستحضر ذاكرة وطنه دون أن يغرق في الماضوية.
بالفعل لا يحذو القاريء شك بأن عروبة 'سمراويت' هي الذات والنواة والجوهروالأساس. تتبخر الأوطان وتبقى العروبة وطنا للراوي والرواية. فالمكان لا يعني شيئا للكاتب الذي يحمل وطنه بين طيات الحرف والخيال والذاكرة .

*كاتبة وإعلامية من المغرب

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C29qpt898.htm&arc=data%5C2013%5C03%5C03-29%5C29qpt898.htm


Friday, March 29, 2013

مع صدور الطبعة الرابعة..بالإمكان الآن تحميل رواية سمراويت !

مع صدور الطبعة الرابعة من سمراويت بالإمكان الآن تحميلها من هنا



جابر لـ الشرق: «سمراويت» هربت من جدة إليها

 

جابر لـ الشرق: «سمراويت» هربت من جدة إليها

نعيم الحكيم- الدمام

تبدأ كل الحكايات عنده من جدة، وإليها تعود. وما بين جدة وجدة، خرجت «سمراويت» روايته الفائزة مؤخراً بجائزة الشارقة للإبداع
 العربي، والصادرة عن المركز الثقافي العربي. هنا حوار مع حجي جابر الصحفي في قناة «الجزيرة»، حول نصه الروائي الذي يتحدث عن شاب إريتري يعيش في جدة قبل أن يقرر زيارة وطنه الأم لأول مرة، مع ما في ذلك من مشاعر ومواقف صعبة:
  • ما معنى كلمة «سمراويت»؟
سمراويت، هو اسم أنثوي شهير في إريتريا وإثيوبيا، وهو هنا اسم شخصية رئيسية من شخصيات الرواية يغرم بها بطل القصة حين يلتقيها في أسمرا، لكن الاسم حتماً لا ينتهي عند هذه الفتاة، بل يتعداها لينوء بحمل كل ما تطرق إليه العمل عن إريتريا، فسمراويت هي الوطن بحضوره وغيابه، بجماله وبتلك اللحظات بالغة القسوة. والذين قرأوا العمل لاحظوا حتماً أن سمراويت الأنثى تلاشت في النهاية دون ضجيج من أجل سمراويت الوطن.
  • تتحدث في الرواية عن جدة التي تقابلها أسمرا، هارباً من الأولى بحثاً عن الثانية. ما مدى حضور المكان في نصك؟
حضور طاغٍ بالتأكيد. لكن بطل الرواية لا يهرب من جدة، بل يهرب بها. يحمل معه عشقه وشوقه، وحتى غضبه من المدينة التي أحب أينما ذهب. يتنقل بها بحثاً عنها، عن صورتها الأولى. وهذا بالمناسبة أمر شبيه بما حدث مع أسمرا، التي كانت معه، داخله، لكنه قرر الهرب إليها. لهذا بالإمكان القول إن العمل مؤسس على المكان بكل ما ينتج عنه من مشاعر وخيال ورهبة وانتماء.
  • بالحديث عن الانتماء، هل تدخل رواية «سمراويت» في دائرة الأعمال التي تتحدث عن أزمة الهوية والانتماء؟
بقدر ما، نعم. هذا أحد خطوط العمل، وهو خط بارز بلا شك، لكنه يتقاطع مع خطوط أخرى أترك للقارئ اكتشافها، أو حتى إنتاجها، فالنص الأدبي أياً يكن نوعه كما تعرف، لا يتوقف عند كاتبه، بل تتم إعادة إنتاجه مع كل قراءة. لكن بالفعل أزمة الانتماء أحد المواضيع التي تؤرق الإريتريين في دول الشتات، ولا أتصور موضوعاً يتناول هموم هذا الشعب يستطيع الإفلات من هذه الأزمة.
  • تبرز جدة في عملك بشكل كبير. إلى أي مدى حضرت حياتك الحقيقية في «سمراويت» وأنت أحد سكان هذه المدينة بالفعل؟
ساعدني هذا كثيراً، ولولا هذه الرابطة الوجدانية بجدة لما استطعت الكتابة عنها بشعف وحب وكراهية حتى. أعشق جدة ولا أتصور نفسي بعيداً عنها لوقت طويل. هنا مقابر عائلتي، وهنا الصحب والرفاق والحكايات التي لا تنتهي. لكن هذا كله لا يعني أن العمل هو سيرة ذاتية محضة. هو خليط من كل شيء رأيته، أو عشته، أو سمعت عنه، إضافة لما تخيلته بالطبع.
  • وماذا عن الإنتاج الثقافي السعودي. لمن تقرأ، وبمن تأثرت؟
أقرأ لأستمتع، وكل عمل يحقق هذه المتعة سيدخل في دائرة التأثير عليّ بشكل أو بآخر. يحدث هذا بوعي، أو بدونه. أحاول دائماً توسيع دائرة هذه المتعة بتنويع قراءاتي، لكن في المقابل هناك أسماء تحفر في وعيي عميقاً، لما تحمله من اختلاف ودهشة، سواء على مستوى اللغة، أو بنية النص، ولعل الصديق محمود تراوري أحد هؤلاء، تعلمت منه وما أزال.
  • ماذا عن إنتاجك المقبل؟
لن يكون بعيداً عن إريتريا. هناك كثير مما يمكن التقاطه في هذا البلد المنسي. في وجوه الإريتريين تربض ملايين الحكايات، سأحاول أن أختار بعضها، لأعرضها بشكل مختلف عما فعلت في سمراويت. أتمنى أن أنجح في صناعة هذا الاختلاف

سمراويت.. كل المسافاتِ نصفُ اتجاه

  سمراويت.. كل المسافاتِ نصفُ اتجاه- أشرف فقيه
أورد بوركهارت [1]في مذكراته، أنه لما استعرت الحرب بين محمد علي [2] وسعود الكبير
[3]بدايات القرن التاسع عشر، سارع شيخ تجّار جدة في حينها، واسمه (العربي الجيلاني) لنقل حريمه ومتاعه إلى قصره الشتوي الذي بمصوع.
مصوع [4]هذه تقع في الضفة المقابلة للبحر الأحمر.. على الساحل الإريتري. وقد كانت هي وسواكن وعدن والمخا والقصيّر وينبع تشكل مع جدة رؤوس شبكة (بحر-أحمرية) ربطت تجارة الهند بمصر وجنوب آسيا بأفريقيا وأوروبا المتوسطية.. فخلقت ما يشبه الدولة الافتراضية التي تقاسمت الأعراق والثقافات ويّا الثروة قبل أن تفتتها ظروف الحداثة لاحقاً.
الخلاصة أن ضفتي البحر الأحمر عالمٌ واحد شطره الماء. وتلك الحقيقة المنسية هي ما يبني عليها حجي جابر [5] في روايته البديعة (سمراويت)، التي يمكن أن نصنفها أيضاً كسيرة ذاتية لمؤلفها ولجيله من الإريتريين.. فتبدو في أجزاء منها مثقلة بالتاريخ بدون أن يذهب ذلك بجمال السرد أو يقطع خيط الأحداث.
سمراويت رواية عن إريتريا كتبها إريتري مغترب.. وهي مع ذلك يجب أن تُقرأ في السعودية. لأنها تستمد من جدة نصف روحها ونصف قصتها. وحجي جابر، مثلما كتب قبله معتز قطينة [6] ومثلما سيكتب آخرون، يستحضر ملامح حياة موازية هي جزء من التركيبة التي تشكل السعودية اليوم وشكّلت جدة منذ الأزل.

ماذا يعني أن تكبر في وطنٍ ليس لك؟



ماذا يعني أن تكبر في وطنٍ ليس لك؟ كيف الأمر حين “تعود” إلى وطنك؟
أسماء قدح
في السعودية لم أعِش سعودياً خالصاً، ولا إريترياً خالصاً. كنت شيئاً بينهما. شيء يملك نصف انتماء، ونصف حنين، ونصف وطنية.. ونصف انتياه.
ستعرف الإجابة حين تقرأ سمراويت. حجي جابر بلُغته البهيّة يحكي قصة عمر الذي عاش عالمين متوازيين في وقت واحد. عمر الذي أحبّ جدة، أحب رطوبتها، شوارعها الخلفية، ميادينها الكثيرة، بحرها، أزقتها المزدوجة الأحلام. عمر الذي رأى صديقه يحب “الاتحاد” كأغلب الجداويين ثم ما لبِث أن كرهه و كرِه ما يشبهه. عمر الذي نما كزرعٍ هادئ في مكان ليس له، في مكان سكنه و عرف كل شوارعه وتقلّبات جوّه، لكن المكان لم يستسغه. ذلك المكان الذي لايتوانى يذكّره كم هو دخيل؛ بلغته، بلونه، بثقافته، بأحلامه، بطريقة تفكيره. ذلك المكان محطة، ميناء؛ إن أتيته من مكان آخر ستغادره ولو بعد حين. أنت لست منه و إن وُلدت فيه، أنت منه -فقط- حين تكون جذورك السابعة منه، سيربتُّ عليك حينها و يضمّك إليه، و يرفعك للأعلى.
عبء ثقيل أن تسافر وأنت محمّل بكلّ هذا القدر من ذكريات الآخرين المعتّقة، من همومهم وأمانيهم، من أحلامهم التي تحققت، وتلك التي طال انتظارها
عمر الذي تذكّره جدّته بأسمرا، مصوّع، مودرنا، بالمنبت الأصلي للعائلة و هي تحكي بتؤدة الكبار. أمّه التي يكتنز الوطن في ذاكرتها بـ”زوديتو”. القنصلية؛ باجتماعاتها، مناسباتها، حفلاتها، بنائها.. الحبل السُرّي الذي يربط المغترب ببلده، شيء ما يستحثّه على عدم نسيانِ منبته. ثم سمراويت.. المرأة / الفتاة التي ألقى بها وطنه في وجهه، يوشوش له أن هنا يجب أن تحب، و هنا تنكسر، لأنني أرضك، ملجؤك، مأواك، لأنك مني. كل شيء في الوطن يختلف طعمه، حتى الوجع..
هنا يا سمراويت، للأشياء طعمها الأول: الحزن، والفرح، الحب، وحتى الغضب. نعم هنا بإمكاني أن أغضب، أن أصرخ دون أن أستأذن أحداً، أن أعيش بدائياً أو متحضراً، غنياً أو فقيراً لا يهم، المهم أن أقوم بكل شيء دون أن أتسول الحق في ذلك، أو أمارسه كمستخدمٍ ثانٍ.
هكذا ببساطة تتلخّص أزمة الهوية، الانتماء، و مَن أنت؟. مضحك و موجع أن تظنّ نفسك وُلدّت و كبُرت في أرض تحتويك، و تكتشف -بطريقة ما- أنها تلفظك.. بعيداً جداً. بعيداً عن تاريخك عليها، عن تاريخ ذويك الذين قرروا استيطانها لغرضٍ أو ظرفٍ ما، ثم تكتشف أنها كانت تنتظر بفارغ الصبر لأن تعود من حيث أتيت، أو ببساطة؛ إلى أي مكانٍ آخر، المهم أن تُبعد عنها، غير مأسوف عليك. مفزع جداً أن تنقش في مخيّلتك اللقاء الأول مع المكان الذي منه أتيت، أن تتوتّر، أن تخاف ألا يكون كما رسمت. و تبدأ في سنٍّ متأخر جداً كيف أن الأمور ليست كما تظن، و أنّك ربما تكون كوطنك “شيئاً طارئاً”.
لا يليق بي أن أقضي العمر كله مسافراً إلى مدينة.. ثم لا أجدها في استقبالي.. أن تنتهي علاقتي بها قبل أن تبدأ، وأنا القادم محمّلاً بالأمنيات في تأسيس ذاكرة جديدة وأشواق مكتملة
وجوه الإريتريين دافئة، فهي خليط من معاناة ممتدة حفرت عميقاً، وإباء خلّفه بحث مضنٍ عن الوطن طيلة عقود
لا أعرف لماذا اختار الرجل الجربوع دون سواه كي يشبهني به، لكنه أدخلني في لعبة بها بعض التسلية وإن كانت مؤلمة.. لذا قررت إكمال اللعبة على غير العادة
.
“أنا يا دكتور مش سعودي.. أنا إريتري”
قطعت جملتي ثرثرته.. صمتَ لحظات.. شعرت أنه يلعن حظه العاثر الذي أوقعني في طريقه
الوطن ليس وجهة نظر. الوطن لا يعيش في المناطق الرمادية، إما أننا في وطن حر وديموقراطي، أو أننا نعيش في ظلام التخلف والديكتاتورية، وأظن أنك تعرف تماماً أين نحن، إلا إذا كان لك رأي آخر؟
كأنك تعيدين تأثيث ذاكرتي من جديد، تسقطين عنها كل ما علق بها عبر السنين دون أن يكون له طعم يوم واحد من أيامك.. بل لحظة واحدة معك
لم تكن جدة مجرد مدينة حتى تستسلم بهدوء لعوامل التعرية التي تطال أعمق ما في المدن، كانت بمثابة الحاضنة لتشكل وعينا ووجداننا وحتى ذاكرتنا..
كنت مواظباً على تقمَص دور الطالب العائد من مدرسته وقت الظهيرة، حتى إذا جاء المساء حملت حقيبتي الثقيلة وتسللت سالكاً شوارع لا يقصدها رفاقي باتجاه مدرستي الليلية
كان عادل “زينا” تماماً، قريباً حد التماهي، كان ضمن قلة تنتسب إلى زمن جميل، زمن ما قبل التسعينات، وقتها لم يكن قد حان اكتشاف فروقاتنا المليون كأجانب عن أهل البلد
يا سلام.. تذكرت هذه الكلمة الفريدة عند الإريتريين، وحدهم ربما مَن أفرغوها من مضمونها الاحتفالي، لتصبح مترعة بالأسى، لتقطر فقداً ولوعة وحرماناً.
كنت مشتاقاً لأجد وجهتي الأخيرة.. وأنا المعتاد على الوجود الطارئ في الأماكن الطارئة
ليس سهلاً أن تبدأ متأخراً جداً في اكتشاف لغتك الأم، في المرور على مفرداتها دون التعثر بالتأتأة
http://www.asmaworld.com/wp/?p=3210
.